عبد الوهاب الشعراني

224

تنبيه المغترين

وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه فصار يصلي خمسمائة ركعة قائما ومثلها جالسا ، وكان علي بن الفضيل رحمه اللّه تعالى لا يستطيع أن يقرأ سورة القارعة ولا يسمعها من غيره ، قال فهجم عليه شخص مرة فقرأ بها في صلاة المغرب فغشى عليه ثلاث أيام بلياليها لا يفيق . وقد كان الحرث بن سعيد رحمه اللّه تعالى يقول : مررنا يوم براهب فرأينا شدة اجتهاده وما يصنع بنفسه فلمناه على ذلك ، فقال : وما هذا الأمر بالنسبة لما نلاقيه يوم القيامة مما نحن عنه غافلون ، فقال له بعضنا نريد أن نسألك عن أمر فهل أنت مخبرنا عنه ، فقال : سلوا ولا تكثروا فإن الوقت لن يعود والعمر لن يرجع والطالب حثيث ، فعجبنا من كلامه ثم قلنا له : ماذا حكم الخلق غدا عند ربهم ، فقال : يكونون على قدر نياتهم ، فقلنا له : أوصنا ، فقال : تزودوا على قدر سفركم ثم أدخل رأسه في صومعته وتركنا . وكان عبد الواحد بن زيد رحمه اللّه تعالى يقول : مررت يوما براهب من رهبان الصين فقلت له : يا راهب فلم يجبني ، فقلت له : لم لا تجبني ، فقال : خفت أن أقول نعم فأكذب لأن الراهب هو من رهب من اللّه في سمائه وعظمه في كبريائه وصبر على بلائه ورضى بقضائه وحمده على نعمائه وتواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته وخضع لمهابته وتفكر في حسابه وعقابه وظل نهاره صائما وليله قائما ، وقد أسهره ذكر النار ومساءلة الجبار فهذا هو الراهب ، وأما أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة لئلا أعقر الناس ، قال : فتعجبت من كلامه ثم قلت له أخبرني ما الذي قطع الناس عن ربهم بعد أن عرفوه ، فقال : قطعهم عنه حب الدنيا لأنها محل المعاصي ، فالعاقل من رمى بها عن قلبه وتاب إلى اللّه من ذنبه وأقبل على ما يقربه من حضرة ربه اه . قال : وقيل لداود الطائي يوما ألا تسرح لحيتك فإنها قد تبلدت ، فقال : إني إذا لفارغ ، وكان أويس القرني رحمه اللّه تعالى يحيي الليل كله بسجدة واحدة ، ولما تاب عتبة الغلام رحمه اللّه تعالى كان لا يتفرغ لأكل ولا شرب ، فقالت له أمه : لو رفقت بنفسك يا ولدي ، فقال : دعيني يا أماه أتعب في عمر قصير ليوم طويل . لأولما حج مسروق رحمه اللّه تعالى كان لم ينم قط في الطريق إلا ساجدا على وجهه ، وكان عبد اللّه بن هلال رحمه اللّه تعالى يقول : أرجو من اللّه تعالى أن لا يشهد علي ليل بنوم ولا نهار بفطر ، وكان عبد اللّه بن داود رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس وأحدهم